فخر الدين الرازي

7

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

حياتهم الدنيوية كأنهم انتقلوا إلى عالم القيامة ، لا جرم صار التسليم الموعود به بعد الموت في حق هؤلاء حال كونهم في الدنيا ، ومنهم من قال : لا ، بل هذا كلام الرسول عليه الصلاة والسلام . وقوله : وعلى التقديرين فهو درجة عالية . ثم قال تعالى : أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذا لا يتناول التوبة من الكفر ، لأن هذا الكلام خطاب مع الذين / وصفهم بقوله : وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فثبت أن المراد منه توبة المسلم عن المعصية ، والمراد من قوله بِجَهالَةٍ ليس هو الخطأ والغلط ، لأن ذلك لا حاجة به إلى التوبة ، بل المراد منه ، أن تقدم على المعصية بسبب الشهوة ، فكان المراد منه بيان أن المسلم إذا أقدم على الذنب مع العلم بكونه ذنبا ثم تاب منه توبة حقيقة فإن اللَّه تعالى يقبل توبته . المسألة الثانية : قرأ نافع أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ بفتح الألف فَأَنَّهُ غَفُورٌ بكسر الألف ، وقرأ عاصم وابن عامر بالفتح فيهما ، والباقون بالكسر فيهما . أما فتح الأولى فعلى التفسير للرحمة ، كأنه قيل : كتب ربكم على نفسه أنه من عمل منكم . وأما فتح الثانية فعلى أن يجعله بدلا من الأولى كقوله أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ [ المؤمنون : 85 ] وقوله كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ [ الحج : 4 ] وقوله أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ [ التوبة : 63 ] قال أبو علي الفارسي : من فتح الأولى فقد جعلها بدلا من الرحمة ، وأما التي بعد الفاء فعلى أنه أضمر له خبرا تقديره ، فله أنه غفور رحيم ، أي فله غفرانه ، أو أضمر مبتدأ يكون « أن » خبره كأنه قيل : فأمره أنه غفور رحيم . وأما من كسرهما جميعا فلأنه لما قال كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ فقد تم هذا الكلام ، ثم ابتدأ وقال أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فدخلت الفاء جوابا للجزاء ، وكسرت إن لأنها دخلت على مبتدأ وخبر كأنك قلت فهو غفور رحيم . إلا أن الكلام بأن أوكد هذا قول الزجاج . وقرأ نافع الأولى بالفتح والثانية بالكسر ، لأنه أبدل الأولى من الرحمة ، واستأنف ما بعد الفاء . واللَّه أعلم . المسألة الثالثة : قوله : مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ قال الحسن : كل من عمل معصية فهو جاهل ، ثم اختلفوا فقيل : إنه جاهل بمقدار ما فاته من الثواب وما استحقه من العقاب ، وقيل : إنه وإن علم أن عاقبة ذلك الفعل مذمومة ، إلا أنه آثر اللذة العاجلة على الخير الكثير الآجل ، ومن آثر القليل على الكثير قيل في العرف إنه جاهل . وحاصل الكلام أنه وإن لم يكن جاهلا إلا أنه لما فعل ما يليق بالجهال أطلق عليه لفظ الجاهل ، وقيل نزلت هذه الآية في عمر حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما اقترحوه ، ولم يعلم بأنها مفسدة ونظير هذه الآية قوله : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ [ النساء : 17 ] . المسألة الرابعة : قوله تعالى : ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فقوله تابَ إشارة إلى الندم على الماضي وقوله وَأَصْلَحَ إشارة إلى كونه آتيا بالأعمال الصالحة في الزمان المستقبل . ثم قال : فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فهو غفور بسبب إزالة العقاب ، رحيم بسبب إيصال الثواب الذي هو النهاية في الرحمة . واللَّه أعلم .